محمد حسين هيكل
233
حياة محمد ( ص )
في الوقت نفسه على أن يكون معه من المسلمين أكبر عدد مستطاع . وحكمته في ذلك أن تعلم العرب كلها أنه خرج في الشهر الحرام حاجّا ولم يخرج غازيا ، وأنه أراد أداء فريضة فرضها الإسلام كما فرضتها أديان العرب من قبل ، وأنه أشرك العرب معه ممن ليسوا على دينه في أداء هذه الفريضة . فإن أصرّت قريش مع ذلك على مقاتلته في الشهر الحرام ومنعه من أداء ما يؤمن العرب على اختلاف آلهتهم به ، لم تجد قريش من العرب من يؤيّدها في موقفها ولا من يعينها على قتال المسلمين ، وكانت بإمعانها في الصدّ عن المسجد الحرام تصرف الناس عن دين إسماعيل وعن ملّة أبيهم إبراهيم . بذلك يأمن المسلمون أن تجتمع العرب عليهم اجتماع الأحزاب من قبل ، ويزداد دينهم رفعة على رفعته عند العرب الذين لا يؤمنون به . وما عسى أن تقول قريش لقوم جاؤوا محرمين ، لا سلاح معهم إلا سيوفهم في غمودها ، يتقدّمهم الهدي الذي ينحرون ، ولا همّ لهم إلا أن يؤدّوا بتطواف البيت فريضة تؤديها العرب جميعا ! استنفار غير المسلمين للحج أذن محمد في الناس بالحج ، وطلب إلى القبائل من غير المسلمين الخروج معه ، فأبطأ كثير من الأعراب . وخرج في أوّل ذي القعدة أحد الأشهر الحرم بمن معه من المهاجرين والأنصار ومن لحق به من العرب ، يتقدّمهم على ناقته القصواء ، فكانت عدّة الذين خرجوا ألفا وأربعمائة . وساق محمد معه الهدي سبعين بدنة ؛ وأحرم بالعمرة ، ليعلم الناس أنه لا يريد قتالا ، وأنه إنما خرج زائرا بيت اللّه الحرام معظما له . فلما بلغ ذا الحليفة « 1 » عقص الناس الرؤس ، ولبّوا بالعمرة ، وعزلوا الهدى ومازوا جوانبها اليمنى ومن بينها بعير أبي جهل الذي أخذوا ببدر . ولم يحمل أحد من هذا الحاجّ سلاحا إلا ما يحمل المسافر من سيف مغمد . وكانت أمّ سلمة زوج النبيّ معه في هذه الرحلة . قريش وحج المسلمين وبلغ قريشا أمر محمد ومن معه وأنهم يسيرون قبلهم حاجين ، فامتلأت نفس قريش بالمخاوف وجعلوا يقلبون هذا الأمر على وجوهه ، يحسبونه حيلة أراد محمد أن يحتال بها على دخول مكة بعد أن صدّهم والأحزاب معهم عن دخول المدينة ، ولم يثنهم ما علموا من إحرام خصومهم بالعمرة وإذاعتهم في أنحاء الجزيرة كلها أنهم لا تحرّكهم إلا العاطفة الدينية لقضاء فرض يقره العرب جميعا ، عن أن يقرروا الحيلولة بين محمد ودخول مكة ، بالغا ما بلغ الثمن الذي يدفعونه لتنفيذ قرارهم هذا . لذلك عقدوا لخالد بن الوليد وعكرمة بن أبي جهل على جيش يبلغ عدد فرسانه وحدهم مائتين ، وتقدّم هذا الجيش حتى يحول بين محمد وأم القرى ، وبلغ من تقدّمه أن عسكر بذي طوى . معسكران يلتقيان أما محمد فتابع مسيرته ، حتى إذا كان بعسفان « 2 » لقيه رجل من بني كعب سأله النبي عما قد يكون لديه من أخبار قريش ، فكان جوابه : « قد سمعت بمسيرك فخرجوا ، وقد لبسوا جلود النمور ونزلوا بذي طوى يعاهدون اللّه لا تدخلها عليهم أبدا . وهذا خالد بن الوليد في خيلهم قد قدّموها إلى كراع الغميم « 3 » » . قال محمد : « يا ويح قريش ! لقد أهلكتهم الحرب . ماذا عليهم لو خلّوا بيني وبين سائر العرب ، فإن هم أصابوني كان ذلك الذي أرادوا ، وإن أظهرني اللّه عليهم دخلوا في الإسلام وافرين ، وإن يفعلوا قاتلوا وبهم
--> ( 1 ) ذو الحليفة : قرية بينها وبين المدينة ستة أميال أو سبعة ، وهي ميقات أهل المدينة الذي يحرمون عنده للحج . ( 2 ) عسفان : قرية أو منهلة بين مكة والمدينة على مرحلتين من مكة . ( 3 ) كراع الغميم : واد أمام عسفان بثمانية أميال .